ناقشنا في مقالتنا السابقة أهمية وضع خطة مالية للأسرة عبرنا عنها بالموازنة المالية الأسرية.وكان ملخصها يعتمد على توفير ثقافة مالية للأسرة في أي مشروع مستقبلي ستقدم عليه.فتعني رقابة الموازنة المالية إن ما تم تحقيقه مطابقاً لما خطط له.فمثلاً الشاب المقدم على الزواج،قدّر تكاليف زواجه الإجمالية ب80000 ريال،فصياغة خطته المالية تقدم له جملة من البدائل منها:قرار تأجيل الزواج لحين توفر 80000ريال،أو البحث عن مصادر تغطية المبلغ بتعظيم الإيرادات أو الاعتماد على قنوات الاقتراض المختلفة،أو إعادة حساباته في ترشيد بعض أبواب الزواج،كما إذا قدر تكلفة وليمة الزواج 25000 ريال فينصح بدراسة أخرى لتخفيض تكاليف ذلك البند إما من خلال الانضمام لمهرجان الزواج الجماعي،أو اختيار بديل آخر كإعداد المرطبات ليلة الزفاف بديلة عن الوليمة،أو حتى إعداد وليمة على نطاق ضيق لا يتجاوز أعداد المدعوين فيه ليلة الزواج عن 100 شخص وهكذا.وإلا فلا قيمة للخطة المالية إذا وضعت تصورك بأن مصروف الزواج لا تتجاوز 80000 ريال،ثم بدأت بشكل عشوائي تصرف كما لو أن لا خطة وضعت تحت مفهوم اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب،لترتفع فواتير الزواج إلى ما يزيد عن 100000ريال.وعلى ذلك فقس التصرفات المالية العشوائية في تكاليف مجالس العزاء،وفي السفر،وفي اقتناء المنزل،وفي تعدد الزوجات.أي أننا قد لا نعي أهمية وضع خطة لكل قرار مالي،أو نعي ولكننا نعجز عن ترجمتها للواقع بالنظر لعدة اعتبارات نفسية واجتماعية تعيقنا عن ترجمة طموحاتنا المالية بما يتناسب مع إمكاناتنا،لا بما يشخصه الآخرون من أجل أن نحظى باحترامهم وتقديرهم،بل لربما تفادياً من إسقاطنا من قاموسهم المادي،وتصبح فضيحتنا في جلاجل.
مثال آخر للرقابة المالية:خصص مبلغ مالي لبند المأكولات والمشروبات 1500 ريال،في نهاية الشهر لاحظت أن مقدار ما صرفت الأسرة فعلاً لذلك البند بلغ 1300 ريال بمعنى أني بالغت في تقديره بزيادة قدرها 200 ريال،ففي الشهر القادم سوف أغير خطتي لمصروف الغذاء ليصبح 1300 ريال، واستفيد من الفائض في استغلاله في بند آخر،وعلى العكس من ذلك لو بلغ المصروف الفعلي لبند المأكولات والمشروبات 2000 ريال بمعني أني تحفظت في تقديره بفرق 500 ريال،ففي هذه الحالة سوف استغل البند المخصص للطوارئ 10%،أو استثمار فائض أي بند آخر لتغطية العجز المالي،على أمل أن أعيد تغيير المخصص المالي المخصص لبند المأكولات والمشروبات في الشهر القادم 2000 ريال وهكذا.طبعا زيادة أو تخفيض المخصص للبند لا ينبغي أن يقر إلا بدراسة شاملة،فلربما زيادة المخصص كان بسبب الاستخدام غير الصحيح لها،أو عدم استغلال توقيت ومكان الشراء،أو ضعف إدارة المال،أو غير ذلك،.وهناك تساؤل آخر على أي أساس حدد هذا المبلغ لهذا البند أو ذاك.هل على أساس الخبرة،بحسب الصرف في الشهر الماضي أو الأشهر الماضية،أو من واقع ما رصدته الدراسات الاقتصادية لما ينبغي أن تخصص له الأسرة للصرف على ذلك البند،يمكن هذا أو ذاك لهما تأثير إيجابي على الخطة،ولكن لا شك أن متابعة الحركة المالية لتلك البنود ستكشف الإجابة على كل تلك التساؤلات بدقة.وبما أن إعداد الموازنة المالية للأسرة يتطلب ذهنية تخصصية،فقد يتطلب الأمر كما ديدن شريحة واسعة بالمجتمع الغربي الرجوع لمستشار مالي بما يساعد على تخفيض التكاليف،ويجدول الديون،ويلغي الأزمات المالية بالأسرة،وينشر ثقافة السلوكيات السليمة مع مواردنا المالية بالأخص في مثل ظروفنا،بما يجعل الأسرة تهتم بالمستقبل وتندفع للادخار والاستثمار بما يتطابق مع قاعدة احفظ قرشك الأبيض لليوم الأسود.
موقف:
لا شك أن هناك شرائح في المجتمع تضبط صرفها كما لو أنها تطبق تلك المفاهيم التخصصية،وفي بيئتنا الحالية تنشط في بنوكنا التجارية التشجيع على التخطيط المالي بما يجعل الأسرة ترشد صرفها وتعطي أولوياتها للمستقبل المظلم،ولو سألت بعض التجار القدماء الذين اعتمدوا على أنفسهم في نمو ثروتهم لرأيت أنهم كانوا لا يصرفون كل ما يحصلون عليه من إيراد مالي على الإنفاق الأسري بالرغم من حاجتهم له بل قد يضيقون على أنفسهم من أجل الادخار والاستثمار.
********** سلمان بن حسين الحجي
12/11/1430هــ
salheji@yahoo.com