كم كنتُ أتساءل: مَن سيقودُ زمرةَ الشعراء والأدباء إلى محشرهم؟
وكم أخذتني لذة الاكتشاف، ونشوة المعرفة المتزايدة، عندما بدأ أئمة الشعر بالخروج مِن عزلتهم، والانعتاق مِن صمتهم، فهنيئاً لنا بهؤلاء!.
فيا معاشر الشعراء: إذا سمعتم بأحدهم (فقعوا له ساجدين)، واجلسوا بين يديه صاغرين، إنه المنطق الذي تشرئب له الأعناق، وتخضع لديه النفوس، ويعدو في مضماره الخيالُ إلى ما "لا أول لأوليته ولا آخر لآخريته" من فتنة وجمال!!.
ولك أن تساءل: لماذا هذا الشعور الساخر؟
تداهمنا بين الحين والآخر مقابلات ولقاءات هلامية استعراضية، مغرقة في الاعتداد بالذات، والفخر، وكأنَّ صاحبها يُعَبِّرُ عن ألمه بذلك السيل الجارف من تمجيد الذات، والسهام الموجهة صوب الآخر، فهو الأديب والشاعر الأوحد الذي لا شريك له في الشعر، ولا منافس له في الفن!.
إنها عملية تطهير للذات، وعلاجها من تورمها بذلك السيل، واحتماء من الآخر، وتوطين للأمن المهزوز بتلك السهام.
"ثمة أمراضٌ تتكلم"
كالغضوب الذي يتحلَّم، وليته كذلك!، يتصاعد ويتصاعد بضمير الأنا بـِ(برنويا العظمة)، والاعتداد الفاضح بالذات، ويمضي بعيداً فتفاجئهُ وخزةُ ضميرٍ، أو شعور بطغيان فيرتدُّ بعبارة متواضعة خارجة عن السياق؛ ليعترف بغيرهِ، ولكنهُ سرعان ما يشعر- وفق منظومته الفكرية الملتبسة- بمصادرة ذاته، وخروجها عن مركز الضوء، فيرتدُّ إلى حالته الأولى بأكثر صرامة، وأقوى اندفاعاً؛ لتأكيد ذاته المتورمه!. وليته أدرك أنه بذلك هضم محاسنه، ومجده، وَ"الحِدَّةُ ضربٌ مِن الجنون؛ لأنَّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونهُ مستحكم" كما يقول سيد البلغاء والمتكلمين عليه السلام.
فن الإنصات
"مهلاً مهلا لا تطش جهلا" تريث..تأمل.. تدبر.. راقب منطقك، وقبل هذا وذاك حاول ارتياد أعماقك، متجاوزاً السطح الذي يزيِّنُ لك ذاتك، ويضخمها، ستجد في أعماقك المنابع الصافية، والمناهل العذبة التي لم تتلوث بوباء(الأنا)، وهذا يتطلب شيئاً من التواضع، ولجم الرغبة المتسرعة في البروز، وفن الإنصات للنداء القادم من أعماق الفطرة الإنسانية، ساعتئذٍ ستستخفُّ بتلك التصورات السطحية الواهمة في ذاتك، وستجد نفسك كم كنتَ بعيداً وهامشياً وأنت تعتقد أنك في المتن ومركز الدائرة؟!.
عندها يسهل عليك تقبل الآخر، وسترى أنَّ الحياة تكامل أدوار، وأنَّ الحقيقة لم تحتكر عند أحد، بل جادت بأطرافها على الجميع، وستُقبل على أقرانك بتواضع، وسيقبلون عليك بحب، وستنزاح النظارة السوداء التي لا تليق بك؛ لتجد أنه من الجدير بنا التبرؤ من كل قولٍ يستخفُّ بالحسِّ الأخلاقي، والشعور الإنساني النبيل مهما بلغنا مِن الشأو والعظمة؟!
"تكلموا تُعرفوا"
لو قال المتنبي عن نفسه ما قاله بعض هؤلاء المندفعين المتحمسين عن أنفسهم لم نقبل منه ذلك، وهو الذي قال عن ذاته وصَدَّقه الكثير مِن الأدباء والنقاد:
أنامُ مِلءَ جفوني عَن شواردها ويسهرُ الخلقُ جرَّاها ويختصمُ
"الناس أعداء ما جهلوا" وَ"تكلموا تُعرفوا" لقد تعلمت مِن هذه اللقاءات، والكتابات الطافحة بالتورم المرضي الكثير، فهناك مَن هو في سويداء العين فخرج، وهناك مَن هو متعلق برمش العين فسقط، وهناك مَن تراه العين فغاب.. فَلِمَ كُلُّ ذلك؟
لأن عاصفة الغرور الحارقة، وإعصار التورم الجارف لدى هؤلاء وهؤلاء أثار حساسية لا يمكن للعين أن تحتملها، فكان ما كان.
تساؤل
على الشاعر والأديب أن يُظهر شعره وأدبه، وعلى الآخرين تحديد مداره الذي هو فيه، دون فرض أو إكراه..
أنت الشاعر، وأنت الناقد؟!
أنت البائع والمشتري؟!. كيف يكون ذلك؟
لنتساءل بمحبة: ما الذي دعا هؤلاء لهذا الاعتداد الطاغي، الذي تجاوز حدود الأدب، حتى ليدعي مدعيهم أنه تجاوز قامات هم "جناحه الذي به يطير" في الوقت الذي لم تكتمل فيه قوادمه، ولم يسقط زغبه؟!
هل لإسرافنا في كيل الثناء والمديح، عطاء بغير حساب أثَّرٌ في تورم شخصياتهم إلى درجة المرض؟
أم لتقصيرنا في ذلك، وتجاهل المجتمع لهم، وإقصائهم عن الواجهة خلَّف لديهم شعوراً بالنقص دفعهم إلى اتخاذ هذا المنحى للتعويض؟
أضيئوني بإجابتكم...